Skip to main content

ليلى شهيد… سفيرة فلسطين التي رسّخت حضورها الثقافي في باريس، وفتحت فضاءً لفناني الوطن والشتات

برحيل السيدة ليلى شهيد، لا تفقد فلسطين دبلوماسية لامعة فحسب، بل تخسر وجهاً ثقافياً نبيلاً آمن بأن الفن جزء من معركة الوجود، وأن الرواية الفلسطينية لا تُكتب بالسياسة وحدها، بل تُرسم وتُعزف وتُصاغ في المحافل الثقافية الكبرى.

من بين المحطات التي ستبقى شاهدة على رؤيتها البعيدة، قصة الاستوديو الفلسطيني في المدينة الدولية للفنون في باريس (Cité internationale des arts).
حين سنحت فرصة نادرة لاقتناء استوديو دائم باسم فلسطين داخل هذا الصرح الفني العالمي، تحركت ليلى شهيد بسرعة وإيمان. كانت تدرك أن وجود فلسطين في هذا الفضاء الثقافي الدولي ليس رفاهية، بل ضرورة رمزية ومعنوية وفنية.
تواصلت يومها مع المفكر الراحل إدوارد سعيد، الذي حمل الملف معه إلى اجتماع مجلس أمناء مؤسسة التعاون. وخلال وقت قياسي، جاء القرار: تتكفل مؤسسة التعاون بالاستئجار الاستوديو لصالح الفنانين الفلسطينيين.

هكذا وُلد “ستوديو إدوارد سعيد” في باريس. وهكذا كُتبت صفحة مضيئة في تاريخ الشراكة الثقافية الفلسطينية.
حيث انطلقت عام 1999 شراكة بين مؤسسة التعاون ومدينة الفنون الدولية في باريس لتشغيل هذا الاستوديو لصالح الفنانين الفلسطينيين العاملين في مجال الفنون البصرية. وفي عام 2004، توسعت هذه الشراكة محلياً لتضم مؤسسة عبد المحسن القطان، ووزارة الثقافة الفلسطينية، والقنصلية الفرنسية العامة في القدس، لتغدو نموذجاً تعاونياً مستداماً لدعم الإبداع الفلسطيني.

ومنذ ذلك الحين، تحوّل الاستوديو إلى مساحة حاضنة ومؤقتة تحتضن  مواهب عشرات الفنانين والفنانات من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس؛ بالإضافة الى فلسطيني الشتات، حيث شكل مساحة للابداع والتأمل والحوار، يجمعهم حب الفن وسردية فلسطين إلى العالم بلغة الفن.

بفضل هذه المبادرة، أتيحت الفرصة لفنانين فلسطينيين للإقامة في قلب باريس، ضمن مجتمع إبداعي يضم أكثر من 300 فنان من مختلف أنحاء العالم. وعادوا إلى وطنهم محمّلين بتجارب غنية ورؤى جديدة أسهمت في إثراء المشهد الثقافي الفلسطيني، وعزّزت حضور فلسطين في المشهد الفني العالمي.

لم تكن ليلى شهيد  سفيرة في العواصم السياسية فحسب، بل كانت سفيرة للفنانين الشباب، وللأحلام الصغيرة التي تحتاج إلى من يؤمن بها و يرعاها. كانت تدرك أن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في الكرامة، وأن حماية الهوية لا تكتمل إلا بدعم الموهبة وفتح الآفاق أمامها..

اليوم، وكلما غادر فنان أو فنانة فلسطينية يتوجه إلى باريس حاملاً حقيبته ومشروعه الفني وحلمه، متد أثرٌ من ليلى شهيد ليرافق هذه الرحلة. فقد فتحت، بإصرارها وإيمانها،نافذة باسم فلسطين، وما زالت هذه النافذة مشرعة، تُطل منها فلسطين على العالم بلغة الإبداع.رحم الله ليلى شهيد، التي آمنت أن لفلسطين مكاناً مستحقاُ في العالم… وحرصت أن يكون لها أيضاً حضور ثابت في عاصمة الفن.
ومكانٌ يجتمع فيه الفلسطينيون في الغربة حول ذاكرتهم، وهويتهم، وحلمهم المشترك.
 

شارك معنا الآن.

أينما كنت.

بأي طريقة تناسبك.